خالد صالح يكتب
في زمن تتصارع فيه الشاشات على جذب الانتباه، وتتزاحم فيه المنصات الرقمية بالمعلومات والشائعات والأفكار المتناقضة، يطل علينا عيد الإعلاميين في الحادي والثلاثين من مايو ليذكرنا بحقيقة لا يجوز أن تغيب عن الذاكرة الوطنية ...
أن مصر كانت من أوائل الدول العربية التي أدركت أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء العمران، وأن الكلمة الواعية قد تكون أقوى من أي سلاح، وأن الإعلام المستنير هو أحد أعمدة الأمن القومي وحماية الهوية.في مثل هذا اليوم من عام 1934 انطلقت الإذاعة المصرية لتعلن ميلاد مشروع وطني كبير لم يكن هدفه الترفيه فقط، بل صناعة الوعي وتشكيل الوجدان وبناء الإنسان المصري. ومنذ اللحظة الأولى أدركت الدولة المصرية أن الإعلام رسالة تنويرية وحضارية قبل أن يكون وسيلة لنقل الأخبار.
على مدار أكثر من تسعين عامًا، لم تكن الإذاعة المصرية مجرد موجات صوتية تعبر الأثير، بل كانت جامعة مفتوحة للملايين، ومدرسة للأخلاق والثقافة واللغة والفكر. منها تعلمت أجيال كاملة جمال اللغة العربية، واستمع المصريون إلى كبار العلماء والمفكرين والأدباء، ومنها انطلقت أصوات خالدة أصبحت جزءًا من ذاكرة الأمة العربية كلها.
ثم جاء التليفزيون المصري عام 1960، ليبدأ فصل جديد من فصول الريادة المصرية. ومعه ولد ماسبيرو الذي تحول سريعًا إلى أحد أهم الصروح الإعلامية في الشرق الأوسط وإفريقيا، بل إلى عنوان لـالقوة الناعمة المصرية التي عبرت الحدود ووصلت إلى كل بيت عربي.
كان ماسبيرو في أوج عطائه مصنعًا حقيقيًا للوعي. من استوديوهاته خرجت البرامج التي صنعت الرأي العام، ومن شاشته تعرف المواطن على قضايا وطنه، ومن خلاله تشكلت الثقافة البصرية للمجتمع المصري والعربي لعقود طويلة. لم يكن هناك بيت عربي تقريبًا إلا وكانت له علاقة يومية بما يقدمه التليفزيون المصري من دراما وبرامج ثقافية وإخبارية ودينية وترفيهية.
من ماسبيرو خرجت الدراما التي ناقشت قضايا الفقر والتعليم والعدالة الاجتماعية، وخرجت البرامج التي دافعت عن قيم العمل والعلم والانتماء، وخرجت الأصوات التي رافقت المصريين في لحظات النصر والانكسار، في الأفراح والأزمات، في الحروب ومعارك البناء والتنمية.
لقد لعب الإعلام المصري دورًا تاريخيًا في ترسيخ الهوية الوطنية. فعندما كانت المنطقة تعصف بها الصراعات والأفكار المتطرفة، ظل الإعلام الوطني حصنًا لحماية الشخصية المصرية، ومدافعًا عن قيم الاعتدال والتسامح والمواطنة والانتماء.
ولم يكن الفن الذي قدمه ماسبيرو مجرد وسيلة للترفيه، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا. الأغاني الوطنية التي أشعلت الحماس في لحظات المصير، والمسلسلات التي ناقشت قضايا المجتمع بعمق، والبرامج الثقافية التي صنعت أجيالًا من المثقفين، كلها كانت أدوات لـبناء العقل المصري والعربي.
والحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن مصر مدينة لماسبيرو بجزء كبير من مكانتها الثقافية والفنية في العالم العربي. فـالقوة الناعمة المصرية التي يتحدث عنها الجميع اليوم لم تُصنع في فراغ، وإنما خرجت من استوديوهات الإذاعة والتليفزيون، ومن عقول وإبداعات آلاف الإعلاميين والفنانين والمبدعين الذين آمنوا بأن رسالتهم أكبر من مجرد وظيفة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل انتهى دور ماسبيرو؟
الإجابة بكل ثقة: لا.
بل إن الحاجة إليه أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
ففي عصر السوشيال ميديا، لم تعد المشكلة نقص المعلومات، وإنما غياب التحقق منها. ولم يعد الخطر في قلة الأصوات، بل في فوضى الأصوات. وهنا تبرز أهمية الإعلام الوطني المهني القادر على تقديم المعلومة الدقيقة والتحليل الرصين والمحتوى الذي يحترم عقل المواطن.
إن عودة ماسبيرو ليست قضية تخص العاملين فيه فقط، وليست مجرد خطة لتطوير مبنى تاريخي أو تحديث أجهزة واستوديوهات. عودة ماسبيرو هي قضية وعي وطني، وقضية أمن فكري وثقافي، وقضية تتعلق بمستقبل القوة الناعمة المصرية.
المطلوب اليوم ليس استدعاء الماضي بحنين عاطفي، بل استعادة الروح التي صنعت هذا الماضي. المطلوب أن يعود ماسبيرو منصة لاكتشاف المواهب الجديدة، ومنبرًا للثقافة والمعرفة، ومركزًا للإبداع الإعلامي القادر على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها الحديثة، دون أن يتخلى عن قيم المهنية والموضوعية والرسالة الوطنية.
في عيد الإعلاميين، لا نحتفي فقط بتاريخ الإذاعة المصرية أو بذكرى تأسيس التليفزيون المصري، بل نحتفي بفكرة عظيمة اسمها الإعلام الوطني المسؤول. نحتفي بأجيال من الإعلاميين الذين حملوا رسالة التنوير، وصنعوا وجدان المصريين، وحافظوا على هوية الوطن في أصعب اللحظات.
ويبقى ماسبيرو، رغم كل التحديات، رمزًا لقدرة مصر على صناعة الوعي، ومنارة ثقافية لا يجوز أن ينطفئ نورها. فالأمم العظيمة لا تحافظ على حدودها فقط، بل تحافظ أيضًا على ذاكرتها ووجدانها وهويتها.
وإذا كانت مصر تبني اليوم جمهوريتها الجديدة على أسس التنمية والتحديث، فإن بناء الإنسان يظل المهمة الأهم، ولن يكتمل هذا البناء إلا بـإعلام قوي ومؤثر ومستنير.
لهذا فإن الاحتفال بـعيد الإعلاميين ليس احتفالًا بالماضي، بل دعوة للمستقبل.. مستقبل يعود فيه ماسبيرو إلى مكانه الطبيعي: صوتًا للعقل، ومنبرًا للثقافة، وحارسًا للهوية، وصانعًا للوعي المصري والعربي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق