الصالون الثقافي للدكتور أحمد جمال الدين موسى يحتفي بالذكرى الـ53 لنصر أكتوبر في جامعة بدر
من خنادق القتال إلى ميادين التعليم والثقافة .. أبطال أكتوبر يستعيدون ملحمة العبور وصمود السويس وبطولات القوات المسلحة
كتبت/ د. سامية أبو النصر
احتفل الصالون الثقافي للدكتور أحمد جمال الدين موسى بالذكرى الـ53 لانتصارات حرب أكتوبر المجيدة ...
وذلك بجامعة بدر، في لقاء استعاد خلاله عدد من أبطال الحرب والمسؤولين السابقين والشخصيات العامة ذكريات العبور، ودروس النصر، وبطولات القوات المسلحة المصرية، وما قدمه الشعب المصري من تضحيات لاستعادة الأرض والكرامة الوطنية ...بدأ الاحتفال بفقرات غنائية قدمها كورال الجامعة، تضمنت عددًا من الأغاني الوطنية، أعقبها الوقوف دقيقة حدادًا، ثم انطلقت فعاليات اللقاء الذي أدارَه اللواء أركان حرب محسن النعماني، وزير التنمية المحلية الأسبق، بمشاركة نخبة من الشخصيات التي تناولت حرب أكتوبر من زوايا عسكرية وتاريخية وإنسانية وقانونية، إلى جانب التأكيد على أهمية نقل الذاكرة الوطنية إلى الأجيال الجديدة.
وشهدت كلمات المشاركين استعراض محطات مهمة من تاريخ مصر الحديث، بداية من صدمة نكسة يونيو 1967، مرورًا بمرحلة إعادة بناء القوات المسلحة وحرب الاستنزاف، وصولًا إلى التخطيط للعبور وتحقيق النصر في السادس من أكتوبر 1973، وما تضمنته تلك المرحلة من بطولات وتضحيات في مختلف أفرع القوات المسلحة.
اللواء أركان حرب محسن النعماني: مصر وطن عظيم صنعه شعب لا يعرف الانكسار
أكد اللواء أركان حرب محسن النعماني، وزير التنمية المحلية الأسبق، أن مصر ليست مجرد مأكل ومشرب ومسكن، وإنما هي تاريخ عظيم وحضارة ممتدة وشعب أصيل خاض، عبر آلاف السنين، معارك وتحديات لا تكاد تنتهي، واستطاع بفضل الله أن يحافظ على وطنه، ويصون هويته، ويخرج من المحن أكثر قوة وصلابة.
وأشار إلى أن مصر عاشت عبر تاريخها الطويل لحظات فارقة وتحديات جسامًا، وكانت دائمًا قادرة على تجاوز الصعاب والانتصار لإرادتها الوطنية، مؤكدًا أن حرب أكتوبر المجيدة ستظل واحدة من أعظم الشواهد على قدرة المصريين على صنع النصر واستعادة الكرامة.
وشدد النعماني على أن ما تعيشه مصر اليوم من أمن واستقرار يمثل مسؤولية مشتركة، يتحملها كل من يعمل على أرض الوطن، كلٌّ في موقعه ومجاله، من خلال الحفاظ على الاستقرار والمساهمة في تقدم البلاد وبناء مستقبلها.
ومن هنا، أكد أهمية المشروعات القومية الكبرى، وفي مقدمتها المشروعات الصحية والتعليمية، مشيرًا إلى المدينة الطبية بجامعة بدر وما تضمه من كليات وتخصصات متنوعة، باعتبارها استثمارًا في الإنسان المصري وإضافة مهمة إلى منظومة التعليم الطبي والخدمات الصحية.
واختتم كلمته بالتأكيد على أهمية الحفاظ على مصر آمنة ومستقرة وقادرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل، قائلًا: «عاشت مصر، وعاش شعبها العظيم، وحفظ الله وطننا آمنًا مستقرًا، وقادرًا على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل».
الدكتور جودة عبد الخالق: أكتوبر ليس يومًا واحدًا .. وصمود السويس ملحمة تستحق التوثيق
استعرض الدكتور جودة عبد الخالق، وزير التضامن الاجتماعي الأسبق، تجربته الشخصية في متابعة حرب أكتوبر 1973 من كندا، حيث كان يدرس الدكتوراه على بُعد آلاف الكيلومترات من وطنه، بينما كان قلبه معلقًا بمصر، يتابع أخبار المعركة ويعيش لحظات القلق والترقب كما لو كان في قلب الأحداث.
ويروي عبد الخالق أن إحدى أكثر اللحظات قسوة وتأثيرًا في حياته وقعت خلال رحلة قصيرة إلى منطقة طبيعية بكندا، حين استمع إلى خبر عاجل عبر الراديو يفيد بأن جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك، في طريقها إلى السويس لتسلم مفتاح المدينة من محافظها.
وأوضح أن وقع الخبر كان صادمًا، إذ تبادر إلى ذهنه أن مدينة السويس سقطت، وأن العدو يستعد لإعلان انتصاره. وعاش ساعات من القلق قبل أن يسمع خبرًا عاجلًا آخر ينفي توجه جولدا مائير إلى المدينة، لتتبدل مشاعره ويدرك أن وراء الخبر حكاية أخرى عنوانها صمود السويس.
ولم يتوقف الدكتور جودة عبد الخالق عند حدود الذكرى الشخصية، بل انطلق منها للتأكيد على أهمية توثيق ملحمة السويس، التي يرى أنها لم تحظَ بما تستحقه من اهتمام في الذاكرة الوطنية، رغم ما تمثله من محطة مهمة في مسار حرب أكتوبر.
وأشار إلى أن صمود المدينة لم يكن بطولة عسكرية فقط، بل كان ملحمة شارك فيها أبناء الشعب العاديون إلى جانب المقاتلين، كما استُخدمت الأغنية الشعبية وفنون السمسمية وغيرها من أشكال التعبير الشعبي لبث الحماس وتعزيز روح المقاومة.
الفن في لحظات المقاومة لم يكن مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح سلاحًا معنويًا يرفع الروح الوطنية، ويمنح الناس القدرة على مواجهة الخوف والتمسك بالأرض.
ودعا عبد الخالق إلى منح هذه الملحمة المكانة التي تستحقها من خلال إنشاء متحف قومي في مدينة السويس يوثق تفاصيل الصمود، ويحفظ بطولات أبنائها، ويقدم للأجيال الجديدة صورة حية عن تلاحم الشعب والجيش في الدفاع عن الوطن.
وأوضح أنه ألّف كتاب «إحياء الذاكرة المصرية»، متوقفًا فيه عند محطات مهمة من تاريخ مصر، وفي مقدمتها أحداث أكتوبر 1973، انطلاقًا من إيمانه بأن الأمم التي تحفظ ذاكرتها وتستوعب دروس تاريخها تكون أقدر على فهم حاضرها وصناعة مستقبلها.
الدكتور أحمد جمال الدين موسى: أكتوبر ملحمة إنسانية .. والانتماء للوطن أساس المستقبل
أكد الدكتور أحمد جمال الدين موسى، وزير التعليم الأسبق وأحد أبطال حرب أكتوبر، أن الاحتفال بذكرى النصر ليس مجرد استعادة لحدث تاريخي عظيم، بل ضرورة وطنية وتربوية، خاصة في أوساط الطلاب والأجيال الجديدة، لأن روح الانتماء تمثل أساس مستقبل الأمم، وأن التفريط فيها يهدد حاضر الأبناء والأحفاد ومستقبلهم.
وشدد على أن تعريف الشباب بتاريخ وطنهم، وما تعرض له من غزوات وتحديات عبر العصور، ليس ترفًا ثقافيًا، بل واجب وطني يرسخ الوعي بقيمة الأرض، ويجعل الأجيال تدرك أن الحفاظ على الوطن مسؤولية مستمرة، وأن الحروب، رغم قسوتها، كانت عبر التاريخ وسيلة للدفاع عن الأرض والوجود والكرامة.
واستعاد الدكتور أحمد جمال الدين موسى ذكرياته ضابطَ احتياط في كتيبة مشاة ضمن الفرقة السادسة عشرة، الكتيبة السابعة، التي تولى قيادتها في وقت سابق المشير أحمد إسماعيل، الذي أصبح وزيرًا للدفاع والقائد العام للقوات المسلحة خلال حرب أكتوبر.
ووصف سلاح المشاة بأنه من أصعب أسلحة القوات المسلحة، نظرًا لطبيعة مهامه وما يتحمله جنوده من مخاطر المواجهة المباشرة. وأشار إلى أن تطوير تسليح القوات المسلحة، خاصة بالصواريخ المضادة للدبابات، مثل «ساجر» و«مولوتيكا»، وفقًا لروايته، أسهم في التصدي للدبابات الإسرائيلية وتدمير أعداد كبيرة منها، وهو ما ساعد قوات المشاة على الصمود ومواصلة القتال وتحقيق أهدافها.
ومن أبرز محطات تجربته القتالية الوصول إلى التبة 41 في سيناء، التي يتذكرها باعتبارها موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، أتاح للقوات المصرية الإشراف على مساحات واسعة من المنطقة.
وأوضح أن الاستيلاء على الموقع جاء، وفق روايته، بعد هجوم مضاد للعدو أخفق في تحقيق أهدافه، أعقبه الإعداد لهجوم ليلي مكّن القوات المصرية من السيطرة على الموقع.
واستعاد موقف الجنديين يحيى وعبده، اللذين رفضا الانسحاب من موقعهما أثناء هجوم مضاد بالدبابات، رغم شدة القصف وخطورة البقاء، وتمسكا بموقفهما انطلاقًا من إصرارهما على ألا يتكرر ما عاشاه في نكسة 1967.
وأشار إلى أن موقفهما عبّر عن إرادة جيل أراد استعادة الأرض والكرامة مهما بلغت التضحيات. وعلى التبة 41، حيث كانت القذائف المدفعية والغارات الجوية تهدد حياة الجنود بصورة متواصلة، شاهد عن قرب كيف تختلط مشاعر الخوف بالفداء، وكيف تتحول الروح الوطنية إلى قوة تمنح المقاتل القدرة على الثبات في أصعب اللحظات.
وأكد أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد خطط عسكرية وتحركات للقوات، بل كانت أيضًا ملحمة إنسانية عاشها الجنود والضباط بكل ما تحمله من خوف وألم وشجاعة؛ فخلف كل انتصار حكايات رجال تركوا أسرهم وأبناءهم، وتحملوا قسوة المعارك دفاعًا عن مصر، مؤمنين بأن قيمة الحياة تكتمل حين يؤدي الإنسان واجبه تجاه وطنه.
اللواء الطيار حسن محمد: أبطال السماء شركاء في صناعة النصر
استعرض اللواء الدكتور الطيار حسن محمد، أحد أبطال الضربة الجوية والحاصل على نجمة سيناء، تجربته في حرب أكتوبر، بدءًا من مشاركته بطائرة «ميج 21» في الضربة الجوية الأولى، وصولًا إلى معارك السيطرة الجوية، مؤكدًا أهمية المفاجأة والتخطيط والتنسيق في مواجهة التفوق الإسرائيلي.
المشهد الأول: الضربة الجوية التي مهدت الطريق للنصر
في السادس من أكتوبر 1973، كان حسن محمد نقيبًا طيارًا يقود طائرة «ميج 21» من مطار أبو حماد، ضمن سرب شارك في الضربة الجوية الأولى. واستعاد مشهد الإعداد لهذه العملية الاستراتيجية الكبرى، التي انطلقت فيها الطائرات المصرية من عدة مطارات في توقيت متزامن، لاستهداف مواقع العدو في سيناء وإرباك منظومة قيادته وسيطرته، تمهيدًا لعبور القوات المسلحة قناة السويس.
وأشار إلى أن حجم التنسيق ودقة التوقيت كانا من أبرز عناصر نجاح الضربة، التي استهدفت مواقع عسكرية ومراكز للقيادة والسيطرة والإعاقة الإلكترونية، وأسهمت في تهيئة الظروف أمام القوات المصرية لتنفيذ العبور.
وأضاف أنه عندما عبر قناة السويس بطائرته، كان ينتظر مواجهة الطائرات الإسرائيلية، لكنه لم يجد اشتباكًا جويًا في تلك اللحظة، وهو ما يعكس، في تقديره، عنصر المفاجأة الذي حققته القوات المصرية في بداية الحرب.
المشهد الثاني: معركة المنصورة وإحباط محاولات السيطرة الجوية الإسرائيلية
توقف اللواء الطيار حسن محمد عند يوم 14 أكتوبر 1973، الذي شهد واحدة من أبرز معارك الطيران في الحرب، عندما حاولت القوات الجوية الإسرائيلية توجيه ضربة كبيرة إلى مطار المنصورة، بهدف تقليص قدرة الطيران المصري على حماية الجبهة والدفاع عن المطارات الحيوية.
ويروي أن الطيارين المصريين تعاملوا مع الهجوم في ظل خطة دفاعية لم تعتمد على الاندفاع وراء كل هدف يظهر على شاشات الرادار، بل على قراءة نوايا العدو والتمييز بين الطائرات التي تستهدف الاستدراج وتلك التي تمثل القوة الضاربة.
فمع ظهور مجموعة من الطائرات الإسرائيلية من اتجاه الشمال، لم تتعجل القوات المصرية الاشتباك معها، قبل أن تظهر موجات أخرى من الطائرات المهاجمة من الشرق، فتتحرك المقاتلات المصرية لاعتراضها، بالتنسيق مع منظومة الدفاع الجوي.
وأوضح أن المعركة كانت اختبارًا حقيقيًا لكفاءة الطيار المصري وقدرته على المناورة، وإجبار الطائرات المعادية على التخلي عن حمولاتها أو تغيير مساراتها، بما يحول دون تنفيذ أهداف الهجوم بالصورة التي خطط لها العدو.
وأكد أن أهمية المعركة لا تُقاس بعدد الطائرات التي أُسقطت فقط، بل أيضًا بإفشال الهدف الإسرائيلي الأساسي، ومنع الطائرات المهاجمة من تحقيق المهمة التي خرجت من أجلها.
وأضاف أن معركة المنصورة أثبتت، في تقديره، أن التفوق الجوي لا يُحسم بمجرد امتلاك عدد أكبر من الطائرات، وإنما يتطلب تخطيطًا محكمًا، ووعيًا بالموقف، وشجاعة الطيارين، وتكاملًا بين المقاتلات والدفاع الجوي.
المشهد الثالث: محطات من تجربة القوات الجوية خلال الحرب
وتناول السرد موعدًا آخر هو 21 أكتوبر 1973، في منطقة لم يتضح اسمها بصورة كافية في التسجيل، حيث تتوقف الشهادة قبل اكتمال تفاصيل المعركة.
غير أن المحطات التي سبقتها تكشف جانبًا مهمًا من تجربة القوات الجوية المصرية في حرب أكتوبر: طيارون واجهوا تحديات كبيرة، وخطط وضعت لتحقيق المفاجأة، ومعارك لم يكن هدفها مجرد الاشتباك، بل حماية القوات المصرية وتأمين استمرار تقدمها.
وتؤكد هذه التجربة أن نصر أكتوبر لم يكن وليد لحظة واحدة، بل ثمرة إعداد طويل وتخطيط دقيق وتضحيات جسيمة، شاركت فيها مختلف أفرع القوات المسلحة، وكان للقوات الجوية دور بارز في تهيئة مسرح العمليات ومواجهة محاولات العدو فرض سيطرته.
اللواء أبو بكر الجندي: من صدمة يونيو 1967 إلى فرحة نصر أكتوبر
استعاد اللواء أركان حرب أبو بكر الجندي، وزير التنمية المحلية الأسبق، محطتين فارقتين في حياته تختصران جانبًا من تاريخ مصر العسكري الحديث؛ الأولى عاشها طالبًا بالكلية الحربية في أعقاب نكسة يونيو 1967، والثانية عاشها ضابطًا بالقوات المسلحة يوم السادس من أكتوبر 1973، حين تحولت الصدمة إلى نصر، والانكسار إلى ملحمة وطنية خالدة.
وقال إنه عندما وقعت النكسة كان طالبًا بالكلية الحربية، وعاش أجواء الصدمة التي خيمت على مصر كلها. وبعدها، شارك مع وحدته في تأمين عدد من الأهداف الحيوية، من بينها مطار القاهرة الدولي.
وتذكر مشهد الطائرات التي هبطت بالمطار صباح ذلك اليوم، في وقت كانت فيه الصورة المعلنة مختلفة عما تكشفه الوقائع على الأرض، موضحًا أن تلك اللحظة كانت صادمة وكشفت حجم الفارق بين التوقعات والواقع، وتركت أثرًا عميقًا في نفوس جيل كامل من أبناء القوات المسلحة.
أما المشهد الثاني، فجاء بعد ست سنوات من النكسة، حين أصبح نقيبًا وقائد فصيلة استطلاع باللواء 170 مظلات. وكان يتمركز مع وحدته في محيط مطار القاهرة، ضمن تدريبات وإجراءات عسكرية سبق تنفيذها مرات عديدة.
وأوضح أن التدريب تزامن مع شهر رمضان، وانتهى قرابة الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، فعاد الجنود إلى خيامهم. وبينما كان يتحدث مع الرقيب أول السرية، فوجئ بالجنود يخرجون من الخيام وسط أجواء غير معتادة، ليعرف أن الحرب قد بدأت، وأن القوات المسلحة المصرية عبرت قناة السويس.
وأشار إلى أن المفاجأة كانت كبيرة؛ إذ تساءل كيف تبدأ الحرب دون أن يعرف الضابط في القوات المسلحة موعدها. لكن ما بدا غريبًا في تلك اللحظة كشف لاحقًا عن أحد أسرار التخطيط العسكري المصري، وهو مبدأ المعرفة على قدر الحاجة، بحيث لا يعرف كل فرد إلا ما يتصل بمهمته وتوقيتها، حفاظًا على سرية الخطة وضمانًا لنجاحها.
وأضاف أن المهمة التي كان سيشارك في تنفيذها مع أحد زملائه كانت مقررة في الليلة التالية، ولذلك لم يكن موعدها قد حان بعد.
وبين مشهد يونيو 1967 ومشهد أكتوبر 1973، كانت مصر تخوض معركة أخرى لا تقل أهمية؛ معركة إعادة بناء القوات المسلحة، ورفع الكفاءة القتالية، وإعداد الرجال لاسترداد الأرض والكرامة.
الدكتور حسن القلا: السادس من أكتوبر ملحمة بكل المقاييس
استعرض الدكتور حسن القلا، رئيس مجلس أمناء جامعة بدر، تجربته ضابطًا طبيبًا خلال حرب أكتوبر، مؤكدًا أن المعركة لم تكن نزهة، بل ملحمة من الدماء والتضحيات صنعتها أجيال أرادت استرداد كرامة الوطن.
وقال إنه كان شابًا في الرابعة والعشرين من عمره عندما تخرج في كلية الضباط الاحتياط، وبدأت الحكاية من منطقة الجبل الأحمر بالقرب من مدينة نصر، حيث كان اللواء 25 مدرع يمثل احتياطي القيادة العامة. وكان من بين زملائه في دفعة الضباط الاحتياط الدكتور أحمد جمال الدين موسى، الذي شاركه تلك المرحلة من حياته.
وأوضح أنه في 25 سبتمبر 1973 تسلم تكليفًا عسكريًا في مظروف أصفر، يتضمن الانتقال إلى منطقة عجرود بطريق السويس، وإنشاء موقع تبادلي لإحدى السرايا. وكانت المهمة محددة، وكان عليه تنفيذها بالتنسيق مع العناصر والوحدات المكلفة بأجزاء مختلفة من العمل، دون أن يعرف كل تفاصيل ما ينتظره.
وبعد إنجاز المهمة، تحركت الدبابات في مناورة إلى منطقة عجرود، حيث تمركزت القوات خلال الأيام التي سبقت الحرب. وقال القلا إن تلك الأيام وحدها تستحق أن يُكتب عنها كتاب، لما شهدته من استعدادات وتكليفات وتفاصيل عسكرية صنعت جانبًا من مشهد العبور.
وأضاف أنه عند الساعة الثانية ظهرًا يوم السادس من أكتوبر، تلقى تكليفًا جديدًا، وتحرك مع القوة المكلفة بمهمتها، بينما كانت القوات المصرية تخوض معركة العبور.
واستعاد مشاعر ذلك الجيل الذي عاش سنوات ما بعد نكسة 1967، وسط أحاديث عن قوة خط بارليف وصعوبة اقتحامه. وأوضح أن الشباب كانوا يحملون خوفًا إنسانيًا طبيعيًا، لكنهم كانوا يحملون أيضًا رغبة عارمة في إزالة آثار الهزيمة واستعادة الكرامة.
وأشار إلى أن مشهد العبور لم يكن سهلًا، إذ واجهت القوات المصرية قصفًا مدفعيًا إسرائيليًا عنيفًا على رؤوس الكباري ومناطق العبور، في معركة استبسل فيها الجنود والضباط والقادة من أجل الوصول إلى الضفة الشرقية للقناة.
وأكد أن رجال سلاح المهندسين أدوا دورًا بالغ الأهمية في التغلب على العقبات، وفتح الممرات وتأمين حركة القوات والمعدات في ظروف ميدانية شديدة الصعوبة، وقدموا تضحيات كبيرة مكّنت الدبابات والقوات من التقدم في سيناء.
أما السرية الطبية، فقد وصلت إلى سيناء في السابع من أكتوبر، بعدما فرضت تطورات المعركة ظروفًا ميدانية مختلفة عن التوقيت المتوقع.
واختتم القلا شهادته بالتأكيد على أن العبور لم يكن مجرد اجتياز لقناة السويس، بل كان عبورًا من اليأس إلى الثقة، ومن مرارة النكسة إلى فرحة الانتصار.
اللواء أركان حرب أحمد عبد الله: ست سنوات صنعت المعجزة
روى اللواء أركان حرب أحمد عبد الله، محافظ البحر الأحمر الأسبق وأحد أبطال حرب أكتوبر، جانبًا مهمًا من ملحمة إعادة بناء القوات المسلحة المصرية، متوقفًا عند دور سلاح المدفعية خلال الفترة من 8 سبتمبر 1968 وحتى السادس من أكتوبر 1973، وهي سنوات فارقة انتقلت فيها مصر من مرارة النكسة إلى صناعة النصر.
وقال إن مصر، عقب هزيمة يونيو 1967، واجهت واحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث، لكن إرادة الشعب المصري ورفضه للاستسلام، وتمسكه بعودة القوات المسلحة إلى دورها الوطني، مثّلت دوافع قوية لاستعادة الثقة وإعادة بناء الجيش.
وأوضح أن الشعار في تلك المرحلة كان الصمود؛ صمود القوات المسلحة على الضفة الغربية لقناة السويس، ومنع القوات الإسرائيلية من التقدم غربًا، بالتزامن مع إعادة تنظيم الجيش وتسليحه وتدريبه، في مهمة وطنية شاقة تولتها القيادات العسكرية في ظروف بالغة الصعوبة.
وأشار إلى أن القوات المسلحة شهدت عملية بناء تدريجية، مع وصول صفقات السلاح الجديدة وإعادة تسليح وحدات المشاة والمدفعية والدبابات وغيرها من الأسلحة. وكانت الوحدات التي تتسلم أسلحتها الجديدة تخضع للتدريب عليها قبل الدفع بها إلى مواقعها على جبهة القناة، ضمن خطة متواصلة لتطوير القدرات القتالية وبناء الدفاعات.
وأكد أن سلاح المدفعية أدى دورًا مهمًا في هذه المرحلة، إذ أسهمت سرعة إعادة تسليحه ورفع كفاءته في تعزيز قدرة القوات المسلحة على المواجهة، والاستعداد للانتقال من الدفاع والصمود إلى مرحلة استرداد الأرض.
وأضاف أن الصمود لم يكن مجرد انتظار للفرصة المناسبة، بل كان قتالًا وإعدادًا وتضحيات متواصلة. فقد شهدت الفترة التالية للنكسة أحداثًا عسكرية بارزة، من بينها معركة رأس العش في يوليو 1967، التي أظهر فيها الجنود المصريون قدرة كبيرة على مواجهة القوات الإسرائيلية، ثم إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» في أكتوبر من العام نفسه، في عملية أكدت قدرة القوات البحرية المصرية على توجيه ضربات مؤثرة للعدو.
المستشار الدكتور خالد القاضي: حرب أكتوبر تتويج لإرادة أمة جريحة
أكد المستشار الدكتور خالد القاضي، رئيس محكمة الاستئناف، أن المشروعية القانونية الدولية تفرق بين الحرب الهجومية أو الاستباقية والحرب الدفاعية، موضحًا أن من القواعد المستقرة في القانون الدولي العام أن الاحتلال لا ينهي حالة الحرب، وإنما يعد مرحلة من مراحل النزاع المسلح، ولا ينتهي النزاع بمجرد وقوع الاحتلال، الذي وصفه بأنه جريمة عدوان تجرمها مصادر المشروعية الدولية المتمثلة في القانون الجنائي الدولي التعاهدي والعرفي.
وأشار القاضي إلى أن حرب أكتوبر 1973، وفقًا لرؤيته القانونية، تستند مشروعيتها إلى القرار رقم 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في أعقاب نكسة 1967، والمتعلق بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في النزاع، وإلى حق مقاومة الاحتلال.
وأضاف أن هذا الحق جاء انسجامًا مع الاستراتيجية التي وضعها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عقب نكسة عام 1967 لإزالة آثار العدوان، معتبرًا أن الحرب الدفاعية جاءت تتويجًا لإرادة أمة جريحة كان عليها أن تثبت قدرتها على المواجهة والتحدي.
«السلام العادل والمتوازن هو الطريق للأمن والاستقرار».
وأكد القاضي أن حرب أكتوبر أسقطت، بحسب تحليله، مقولة تحقيق الأمن عن طريق الاستيلاء على أرض الغير، وأثبتت أن القوة ليست حكرًا على أحد، وأن استخدام القوة العسكرية لأسباب غير مشروعة لا يستطيع أن يحقق للدولة فرض إرادتها.
وأوضح أن نصر أكتوبر العظيم أنهى مرحلة مهمة من النزاع المسلح بين مصر وإسرائيل، مع استرداد معظم الأراضي المحتلة، ثم استكمال استعادة الأراضي المصرية بانسحاب إسرائيل من كامل التراب الوطني في 25 أبريل 1982 بموجب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة عام 1979، وصولًا إلى عودة طابا بحكم صادر عن هيئة التحكيم الدولية في 29 سبتمبر 1988.
الفريق أسامة المندوه: أبطال الاستطلاع خلف خطوط العدو
أكد الفريق أسامة المندوه، أحد أبطال الاستطلاع في حرب أكتوبر، أن المعركة لم تكن مجرد عبور لقناة السويس واقتحام لخط بارليف، وإنما كانت ملحمة متكاملة من التخطيط والإعداد وجمع المعلومات، شاركت فيها مجموعات استطلاع مصرية أدت مهام بالغة الخطورة خلف خطوط العدو، وأسهمت في توفير المعلومات اللازمة للقوات المسلحة قبل المعركة وخلالها.
واستعاد المندوه تفاصيل المهام التي نفذتها مجموعات الاستطلاع، مشيرًا إلى أن الكتيبة دفعت بـ23 مجموعة استطلاع، استُشهد أفراد أربع مجموعات منها، بينما وقعت ثلاث مجموعات في الأسر.
وأضاف أن الدولة كرّمت عناصر الكتيبة ومنحتهم 105 أوسمة، في تقدير يعكس خطورة المهام التي نفذوها.
وأوضح أن مهمة الاستطلاع لم تكن سهلة، فقد تطلبت معرفة دقيقة بتحركات القوات الإسرائيلية ومواقعها وطرق تحركها ومحاور الإمداد، إلى جانب متابعة التحصينات الإسرائيلية، وفي مقدمتها خط بارليف الذي أقامته إسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس.
وأشار إلى أنه في يوليو 1973 انتقل إلى القاهرة، قبل أن يستدعيه قائد الكتيبة ويبلغه بتكليف جديد من المخابرات الحربية، يتمثل في تنفيذ مهمة استطلاع خلف خطوط العدو في عمق سيناء، على مسافة تقارب 100 كيلومتر من قناة السويس، ولمدة تسعة أيام.
لكن المهمة، وفق روايته، استمرت ستة أشهر، واستهدفت جمع المعلومات عن محاور التحرك والطرق الرئيسية في سيناء، ورصد مواقع عسكرية حيوية، بما يساعد القيادة المصرية على تكوين صورة دقيقة عن أوضاع القوات الإسرائيلية قبل تطوير الهجوم.
وأكد أن نجاح العمليات العسكرية لا يعتمد على شجاعة المقاتلين وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى معلومات دقيقة، وتخطيط محكم، وسرية كاملة، وقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وقد وثّق المندوه تجربته في كتاب «اللواء أسامة مندوه.. خلف خطوط العدو»، الذي أهداه إلى أحد أبطال القوات المسلحة، تقديرًا لما قدموه.
اللواء محسن النعماني: «مصر أهم».. كلمتان تختصران عظمة المقاتل المصري
عاد اللواء أركان حرب محسن النعماني، وزير التنمية المحلية الأسبق وأحد أبطال أكتوبر، إلى المواقف الإنسانية والبطولية التي تكشف جانبًا من عظمة المقاتل المصري، مؤكدًا أن انتصار أكتوبر لا تتجلى عظمته فقط في التخطيط العسكري المحكم أو كفاءة القوات المسلحة في إدارة المعركة، وإنما تظهر أيضًا في المواقف التي صنعها رجال آمنوا بأن الدفاع عن مصر واجب لا تعلو عليه أولوية.
ومن بين المشاهد التي استعادها النعماني، موقفان يعكسان روح التضحية والقدوة في ميادين القتال.
المشهد الأول: قائد يتقدم رجاله ويصنع القدوة
توقف النعماني عند ما رُوي عن اللواء الفاتح قريب، قائد أحد الألوية، خلال الهجوم على جبل المر. فبدلًا من الاكتفاء بقيادة المعركة من موقع خلفي، ترجل القائد من مدرعته وانطلق نحو مقدمة الهجوم بعدما لاحظ تعثر مجموعة من الجنود في التقدم بمدفع رشاش من طراز «جرينوف» أثناء صعود الجبل.
وحمل القائد المدفع على كتفه، واندفع به في اتجاه العدو، في مشهد أشعل حماسة رجاله، فاندفعوا خلفه لاستكمال الهجوم.
وتجسد هذه الواقعة، بحسب رواية النعماني، صورة القائد الذي لا يطلب من جنوده ما لا يفعله بنفسه، ويدرك أن القدوة في ميادين القتال قد تكون أقوى من الأوامر؛ فعندما يرى الجندي قائده يشاركه الخطر، تتضاعف ثقته بنفسه وبالمهمة التي يؤديها.
المشهد الثاني: جندي جريح يختصر الأولويات في عبارة «مصر أهم»
أما المشهد الثاني، فيجسد أسمى معاني التضحية، حين أُصيب أحد الجنود الذين كانوا يتولون تشغيل مدفع مضاد للطائرات عيار 12.7، بعدما تعرض موقعه لنيران العدو.
وأسرع أحد الضباط إليه محاولًا إنقاذه وإيقاف النزيف، لكن الجندي، رغم إصابته الشديدة، قال له كلمات بقيت شاهدًا على عمق انتمائه: «سيبني يا فندم.. مصر أهم».
وأكد النعماني أن هذه العبارة ليست مجرد كلمات عابرة في ذاكرة الحرب، بل شهادة على روح المقاتل المصري الذي لم يكن يدافع عن أرض فحسب، وإنما كان يدافع عن وطن احتضنه، وعلّمه، ومنحه فرص الحياة والعمل والكرامة.
وأشار إلى أن القوة الحقيقية لمصر لا تكمن في قدراتها العسكرية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل في إرادة شعبها، وتماسك أبنائها، واستعدادهم للعمل من أجلها والدفاع عنها في أوقات الشدة.
واختتم بالتأكيد على أن نصر أكتوبر لم تصنعه الأسلحة وحدها، بل صنعه رجال آمنوا بمصر، وقادة تقدموا الصفوف، وجنود جسّدوا بأفعالهم معنى الانتماء الحقيقي.
حضور أكاديمي وإعلامي وشخصيات عامة
شهد الصالون الثقافي حضور الدكتور أشرف الشيحي، رئيس جامعة بدر، وعمداء الكليات وأعضاء هيئة التدريس بالجامعة، إلى جانب عدد من أعضاء الصالون والشخصيات العامة.
وضمت قائمة الحضور الدكتور جمال شيحة، رئيس مؤسسة شيحة للتنمية، والدكتور كمال صاروفيم، محافظ الدقهلية الأسبق، والدكتورة سهير لطفي، أمين المجلس القومي للمرأة الأسبق، والدكتورة أغاريد الجمال، أستاذ الأمراض الجلدية بجامعة عين شمس، والمستشارة الدكتورة أماني إسماعيل، والدكتورة دينا إسماعيل، عضو مجلس النواب السابق، والإعلامي الدكتور جمال الشاعر.
كما شارك عدد من أعضاء مؤسسة تطوير الدقهلية، واللواء محمود الزيني، وعدد من أعضاء المنتدى الاستراتيجي للتنمية والسلام الاجتماعي، والإذاعي أحمد إبراهيم، والأستاذة إيمان رسلان.
وعكست المناقشات والشهادات التي شهدها اللقاء أهمية استعادة تجربة حرب أكتوبر بوصفها حدثًا تاريخيًا متعدد الأبعاد، يجمع بين التخطيط العسكري، وإعادة بناء القوات المسلحة، وبطولات المقاتلين، وصمود الشعب، ودور الثقافة والفن في دعم الروح الوطنية، فضلًا عن أهمية توثيق الذاكرة المصرية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
الفجالة بوست | Fagala Post









ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق