السبت، 9 مارس 2024

فى يوم العظيم‏ ‏في‏ ‏البطاركة .. كتابات الراهب مينا البراموسي ( القديس البابا كيرلس السادس )

القديس البابا كيرلس السادس

    إعداد/ ماجد كامل

كبير باحثين بالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية سابقًا  

يعتقد الكثيرون أن البابا كيرلس السادس ( 1902- 1971 ) ، كان راهبًا بسيطًا ، لم يكن يُجيد مهارات الكتابة ، ولكن الدراسة المتعمقة لحياة هذا الأب القديس تثبت عكس هذا تماماً ( راجع مقالة كاتب هذه السطور عن العطاء التعليمي والثقافي للبابا كيرلس السادس )  ...


فالمعروف أن الراهب مينا البراموسي تتلمذ خلال حياته الرهبنية على يد العالم الكبير " القمص عبد المسيح المسعودي البراموسي الصغير " (  1838- 1935  ) .

وعن تأثر هذه  الفترة على حياته كتب يقول "من ذلك اليوم فصاعدًا بدأت أتعلم قواعد الرهبنة من الآباء ، وبدأت فى دراسة كتب القديسن، خاصة تلك التي كتبها القديس العظيم مار أسحق السرياني، شعرت بنعمة الله تنمو فى داخلي يومًا بعد يوم ... كنت مُطيعًا للجميع ... وبالتالي أخذت بركتهم . وكنت حريصاً جدًا على خدمة كبار السن، فأمضيت عامًا في خدمة أبونا عبد المسيح المسعودي .. وتعلمت التسبحة على يد القمص باخوم، الذي كان أب اعترافي . "


( القمص دانيال فانوس : البطريرك الصامت : البابا كيرلس السادس - حياته وإرثه ، مدرسة الإسكندرية ، الطبعة الأولى ، 2024 ، صفحتي 90 ، 91 ) .


وكان القمص عبد المسعودي طلب منه ضرورة الاهتمام بنشر دورية لاهوتية، وذلك قبل أسابيع قليلة من رهبنته ( تاريخ رهبنة أبونا مينا 25 فبراير 1928 ) . فقرر الراهب مينا نشر دورية بعنوان " ميناء الخلاص " .. وبالفعل ظهر المجلد الأول منها فى 9 فبراير 1928، وقام بتقسيم محتوياتها إلى ثلاثة أقسام :


1- مقالة لاهوتية متخصصة .

2- مقتطفات من أقوال آباء الكنيسة أو الرهبنة  .

3- قسم سردي كان فى بعض الأحيان سيرة ذاتية، وبعض مقتطفات من الكتابات الروحية المعاصرة .

 

وفى سبيل  تنفيذ هذا الطلب، أهتم الراهب مينا بالتردد على مكتبة دير البراموس التي كانت تخضع للقمص عبد المسيح المسعودي البرموسي، الذي قام بجهود جبارة في سبيل تصنيف وفهرسة مكتبة الدير، فضلاً عن ترجمته وكتابته لكثير منها بنفسه، ولقد شارك الراهب مينا في ترميم المخطوطات ونسخها، ومن هنا كما يقول شقيقه بالجسد " حنا " انفتحت له أبواب المعرفة .


( القمص دانيال فانوس : نفس المرجع السابق ، صفحة 92 ) .

وبالفعل صدرت المجلة  بصفة شهرية من فبراير 1928 إلى يناير 1930 .. وهذه الدورية تكشف عن عقل نافذ منغمس فى الفكر الآبائي والرهباني، والتفسير الكتابي، وسير القديسين ، وأحيانًا الفلسفة .


ويُعلق القمص دانيال فانوس فيقول " تتحدى كتابات القمص مينا بقوة الفكرة الشائعة والمتكررة أنه مجرد راهب ناسك غير متعلم .

 كما لاحظ أبونا رافائيل آفا مينا ( تلميذه لاحقًا ) ، أن تفضيل الصمت ليس بالضرورة مرادفًا للنقص أوعدم الكفاءة، فبطريرك المستقبل، تتلمذ على يد بعض كبار العلماء فى عصره، وأمضى سنوات عمره منغمسًا فى دراسة كتابات الآباء .

( القمص دانيال فانوس : نفس المرجع السابق ، صفحة 92 ) .


وبعدها التحق الراهب مينا البراموسي بمدرسة الرهبان اللاهوتية بحلوان، وفيها درس علوم ( اللاهوت – العهد القديم – العهد القديم – ترانيم كنسية وعظات – قانون كنسي – اللغات القبطية والعربية والإنجليزية والفرنسية والعبرية واليونانية – الجغرافيا – التاريخ – الفلسفة – البلاغة – علم النفس ) .

وكان على رأس قيادة هذه المدرسة القمص ميخائيل مينا ( 1883- 1956 ) .


(القس دانيال فانوس :  الفصل الخاص بكلية حلوان اللاهواية : أول إصلاح إفخارسيتي ،  صفحة 98 ) .


مجلة ميناء الخلاص : تاريخها ومحتوياتها :

صدر العدد الأول من مجلة ميناء الخلاص " فى أمشير 1644 ش الموافق مارس 1928 ، وجاء فى  مقدمة العدد الأول من ضمن ما جاء " الحمد لله الذي أنار بصائر المؤمنين وأرشد أفكار أتقيائه إلى حقيقة عبادته وأوضح لهم طرقه الخلاصية التى بها يبلغون إلى كمال محبته .. وبعد لما رأيت كثيرين من أخوتي لهم إشتياق للإطلاع على صفات الدير وعوائده ونظامه ... أردت بنعمة الله أن  أكتب شيئًا يسيرًا فى هذا الموضوع ولو أني لا أقدر أن أصف جمال الدير لكن بقدر الإمكان لأن داود النبي هتف قائلاً : أحببت جمال بيتك وموضع مسكن مجدك، فتقدمت إلى راعي الرعاة الأقدس  يسوع المسيح محب البشر متضرعًا إليه أن يهبني فهمًا وإرشادًا لكي أفيد غيري بما أطلع عليه من الفوائد الروحية ، فبنعمته قد  ألهمني أن أكتب نشرة شهرية فجعلت بها ثلاثة أقسام القسم الروحي، والقسم الروائي، وفى هذا القسم الأخير سأكتب فيه دائمًا وصف ونظام عوائد الدير، وقد وجدت لها أسمًا جميلاً جداً طبق المرام ألا وهو "ميناء الخلاص"، لأني بينما كنت أطالع في أحد الكتب الذي للآباء القديسين وجدت أن الدير يُعبر عنه " بميناء الخلاص" الأرضي فأردت أن أجعل لها هذا الأسم الحلو ونسأل يسوع المسيح أن يُوصلنا إلى ميناء الخلاص أنه سميع عجيب " .

( ماجد عزت اسرائيل : البابا المُصلي ... العجائبي القديس البابا كيرلس السادس ، المركز  الثقافي القبطي الأرثوذكسي ، صفحة 252 ) .   

                                  

وبالنظر إلى عناوين بعض المقالات وُجد أنها تشمل :

1- عهد الله مع آدم .

2- المحبة .

3- الإيمان .

4- صلوا في كل حين ولا تملوا .

5- السر الأقدس .

6- الرُؤيا  المطلوبة .

7- أنا هو الحياة .

8- يسوع هو الطريق .

9- أنا هو الرجاء .

10- الصوم .

11- الفرح الأعظم .

فعن المحبة قال " المحبة مدرسة سامية نتعلم فيها كل الفضائل ورئيس هذه المدرسة مُعلم ماهر مُذخر فيها كل كنوز الحكمة، والمُعلم قادر على كل شيء حتى يسكب مواهبه ونعمة الله على كل طلبة مدرسته .. لا يمكن الدخول فيها إلا بالمحبة، فوق هذه المدرسة قد رفع علم مكتوب عليه بيد القادر على كل شيء، بيد دامية من أثر المسامير الله محبة ..  وقد أسست على المحبة وبالمحبة فوقها محبة ،.... والدروس هناك لا تلقى إلا على  منبر المحبة، والأمتحان تظهر نتيجته من المحبة، لا يعرف التلميذ أنه ماهر في باقي  فضائله إلا إذا أكمل المحبة، فى هذه المدرسة قد تعلم القديسون والشهداء والمجاهدون أجمعون وقد نالوا شهاداتهم وكل الذين قد تعلموا وتخرجوا من مدرسة المحبة .. المحبة أثمن من كل شيء، وأجمل من كل شيء، تخفف الأثقال، وتحتمل المكاره بصبر، المحبة تجعل المر حلوًا ولذيذا، المحبة تقود الإنسان إلى العلو، وترغب دائمًا في السلام، المحبة صادقة، مُسالمة ـ أنيسة، وديعة، أمينة ، ذات حُلم ومروءة في كل شيء، المحبة متواضعة ومطيعة ، خالية من العجرفة والكبرياء، المحبة هادئة ورصينة وتقية، منها  يصدر كل خير، وصاحبها يستريح في السلام والراحة الكاملة، لا شيء أحسن من المحبة ولا شيء أثمن ولا أجمل ولا أفضل ولا أبهج ولا أعذب من المحبة، المحبة أرفع وأسمى وأحسن شيء ولا يوازيها شيء في السماء ولا على الأرض، من كانت المحبة ساكنة فيه يكون صبورًا متأنيًا مُترفقًا وديعًا، يفرح بالخير للآخرين ويحتمل الأتعاب والمشقات بصبر جميل، يُصدق الناس ولا يكذب أحد، ويرج النفع والخير للغير كما يرجوه لنفسه .

( ماجد عزت إسرائيل : البابا المُصلي .. العجائبي ، مرجع سبق ذكره ، مقتطفات متفرقة من  صفحتي  257 ، 258) .


وعن الإيمان ، ومن خلال قصة المفلوج ( مرقس 2 ) تأمل الراهب مينا البراموسي فى عظمة إيمانهم ، فهذه القصة تخبر عن عمق الأيمان الذي ملأ قلوب الأربعة رجال الذين  حملوا المفلوج ، فإيمانهم هو الذي أوجد العزم في قلوبهم، وحركهم لحمل مريضهم على أعناقهم، وساقهم حيث كان الرب قائم يُعلم ، وصعد بهم على السطح، وأعطاهم شجاعة وصبرًا حتى ثقبوا السقف ... بالإيمان نحصل على الأمور المستحيلة التي تعجز قوات السموات والأرض أن تعطيها لنا .. بالإيمان ننال غفران الخطايا ، وقوة  الغلبة، وبالإيمان ننال سلامًا يملأ قلوبنًا، وبالإيمان نرث الأمجاد السمائية .

( ماجد عزت اسرائيل  :  مقتطفات من الصفحات من 261 – 269  ) .


وعن الصلاة قال : الصلاة قادرة على كل شيء لأنها تحرك اليد التي تدير الكون تفتح باب السماء وتجعل للمؤمنين نصيباً في جميع الخيرات .. تحطم قوة الشيطان وتكسر سلاسل الخطية، وتفك  قيود الشر، ترفع نير الظلم، وتقاوم تقلبات الدهر، وتكسر سيف الموت ، وتحول غضب الله إلى بركات .. ولا يوجد شيء لا تقدر عليه ... الصلاة مفتاح السماء وهي طريق أمين تسير فيها فلا يُدركك الظلام بل تهتدي إلي مكان  الراحة، هي طيب وبخور وعطر ذو رائحة  ذكية يستنشقه القدير ... بدُون الصلاة تموت النفس وتصير مقفرة جدباء جافة قريبة من الخيبة والفشل والخراب .. بدونها تذبل النفس وتزول نضارتها، ويُفنى جمالها ...  فلتكن الصلاة مرآتك ترى فيها نفسك كل يوم .. ميزاناً تزن بها قلبك ومقاصدك وسائر رغباتك وأميالك ... لتكن الصلاة سلاحك وسيفك : فبدونها تكون كجندي دخل المعركة خالعًا درعه ونازعًا سلاحه فيها تجد علاجًا شافيًا لزلاتك ، وملجأ تصان فيه من الشر والفساد، إن تراخيت أو تلبدت عليك الآلام البشرية، أو أنخدعت بغرور العالم فالجأ إلى الصلاة  تجد فيها خلاصك ونجاتك ... بالصلاة يُستنير عقلك ويُصفى ضميرك .. بالصلاة تنمو فى الفضيلة والنعمة، بالصلاة يمتلأ فلبك رغائب مقدسة ويتعالى فوق الطبيعة البشرية .

( ماجد عزت إسرائيل : مرجع  سبق ذكره، فقرات مختارة من الصفحات 272- 275 ) .


وعن سر التناول قام الراهب مينا البراموسي بسرد مجموعة من أقوال آباء الكنيسة عن هذا السر نذكر منهم :


+ القديس يوحنا ذهبي الفم : بالحقيقة إن أسرار الكنيسة لمريعة بالحقيقة إن مذبحها لرهيب مريع . قد طلع نهر من الجنة  ـ ينبوع أفاض أنهارًا محسوسة ( تك 2 : 10- 14 ) ومن هذه المائدة ( المذبح ) تطلع عين فائضة أنهارًا روحانية . حول هذه العين تطلع عين أنهارا روحانية . فمن يضويه الحر فليحضر عند هذه العين .

+ القديس أثناسيوس الرسولي : " إن الخبز والخمر هما قبل الدعاء والتقديس خبز وخمر فاذا تم عليهما التقديس والدعاء والابتهال نقلتهما موهبة الله الكلمة الذى دعي التقديس باسمه إلى جسده ودمه " .

+  القديس كيرلس الإسكندري : " كما إن الطير إذا أفترش على البيض يحول حرارته على ذلك البيض فيكون منه حيوان ، ويخرج فرخ له لحم وعظم وريش ويطير كالطائر، كذلك إذا دعي القس وأبتهل إلي الله الكلمة وسأله بعث الروح القدس على الخبز الذي بين يديه فتقلب حرارة القدس ذلك الخبز إلي جسد الله الكلمة " .

( ماجد عزت إسرائيل : مرجع سبق ذكره ، فقرات مختارة من  الصفحات 277-  280 ) .


مراجع المقالة :-

1- القس دانيال فانوس : البطريرك الصامت  - البابا كيرلس السادس – حياته وأرثه ، ترجمة جيهان غبريال ، مدرسة الإسكندرية ، الطبعة الأولى ، 2024 .

2- ماجد عزت إسرائيل : البابا المصلي .... العجائبي  - القديس البابا كيرلس السادس ، مراجعة الراهب القمص رافائيل آفا مينا ، تقديم الأنبا مارتيروس ، إشراف ومراجعة وتقديم الأنبا أرميا  ، المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي  

3- إيريس حبيب المصري : قصة الكنيسة القبطية ، الجزء السابع ، موقع الكنوز القبطية .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق